قنبلة ديون عامّة تهدّد الاقتصاد العالمي -- Oct 12 , 2026 36
عند مطلع الأسبوع الماضي، كانت عوائد السندات الأميركيّة، التي تستحق بعد 10 سنوات، قد ارتفعت لتلامس 5.3 بالمئة، في أعلى مستوى لها منذ أكثر من 20 سنة. ولا يوجد ما يسرّ الأميركيين في هذا الخبر. فالمعادلة هنا بسيطة وواضحة: كلما خرجت الرساميل من أسواق السندات، وباعها المستثمرون، هبطت الأسعار السوقيّة الراهنة لهذه السندات، وارتفع في المقابل العائد عليها؛ أي الفارق بين سعرها الحالي -الآخذ بالانخفاض- وسعر السداد الثابت عند الاستحقاق في المستقبل. كلما انخفضت جاذبيّة السندات، تنخفض أسعارها السوقيّة الراهنة، وترتفع العوائد الكفيلة ببيعها.
أبعد من السندات الأميركيّة
لكنّ ارتفاع العوائد، وانخفاض الأسعار الراهنة، ليسا مجرّد مؤشّرات مرتبطة بالتداول فقط. كلما ارتفع العائد، كما تحدّده السوق بالفارق بين السعر السوقي وسعر السداد عند الاستحقاق، ترتفع بالتوازي الفوائد التي يجب أن تمنحها الحكومة الأميركيّة للأسواق عند إصدار السندات الجديدة.
ارتفاع العائد، يعني عملياً ارتفاع كلفة خدمة الدين الأميركي في المستقبل. والمسألة لا تنتهي هنا. فبما أنّ سندات الدين الأميركي تُعبّر عن الفائدة المرجعية، التي تُقاس على أساسها الفوائد الأخرى في السوق، سترتفع في النتيجة بنية الفوائد على سائر أنواع القروض والمديونيّات. وكلما ارتفعت فوائد السندات الأميركيّة، زاحمت الولايات المتحدة الدول النامية على الأموال الساخنة، ما يفرض على تلك الدول رفع فوائدها للحفاظ على السيولة. وعلى هذا المنوال، تكرّ كأحجار الدومينو التداعيات.
لم تعد أزمة الفوائد مسألة أميركيّة فقط. فالعوائد على السندات الفرنسيّة ارتفعت من 3.56 بالمئة في بداية العام إلى 4.86 بالمئة في نهاية الأسبوع الماضي. ومن 3.51 بالمئة إلى 4.59 بالمئة، خلال الفترة نفسها، في إيطاليا. ومن 4.48 بالمئة إلى 5.45 بالمئة في المملكة المتحدة، ومن 2.08 بالمئة إلى 3.02 بالمئة في اليابان، ومن 2.87 بالمئة إلى 3.49 بالمئة في ألمانيا، وهكذا دواليك. أما على مستوى الاقتصادات النامية، فيشير البنك الدولي إلى أن متوسّط عوائد السندات السيادية بالدولار بلغ نحو 9 بالمئة للدول الأضعف ائتمانياً، مقابل 6.3% للدول الأقوى إئتمانياً.
عوامل مختلفة... نتيجة واحدة
بطبيعة الحال، يعود جزء من ارتفاع العوائد في الدول الأخرى لتأثير ارتفاع العوائد في الولايات المتحدة. لكنّ هذا التأثير لا يشرح سوى جزءٍ صغير من هذا المشهد. فكل اقتصاد، أو تكتّل اقتصادي، بات يضيف إلى ضغط العوائد والفوائد أعباءه الخاصّة، فتلتقي العوامل معاً في اتجاهٍ واحد ونتيجة واحدة: ارتفاع العوائد وتكاليف الاقتراض، وتزايد ضغط خدمة الديون في الاقتصادات المتقدمة والنامية.
العامل الأبرز والأوضح، يرتبط بحجم المديونيّات العامّة. في الولايات المتحدة، باتت الصورة شديدة الوضوح، فقط أنهت الحكومة الأميركيّة السنة الماليّة الأخيرة بعجزٍ يقارب 2 ترليون دولار أميركي؛ أي ما يقترب من 6.2 بالمئة من حجم الناتج المحلّي، فيما بلغت كلفة خدمة الدين 1.1 ترليون دولار أميركي، أي 3.4 بالمئة من حجم الناتج. أمّا صندوق النقد، فيتوقّع أن يصل الدين الأميركي إلى مستوى مُقلق يناهز 142.1 بالمئة من الناتج بحلول العام 2031.
وفي أوروبا، يظهر الاتجاه نفسه. فألمانيا التي كانت رمزاً للانضباط المالي، رفعت مستوى الاقتراض المُخطط له للعام 2026 إلى 174.3 مليار يورو؛ أي ما يتجاوز ثلاثة أضعاف مستويات العام 2024. وفي فرنسا، من المتوقّع أن يبلغ العجز 5.4 بالمئة من الناتج خلال العام 2026، مع إمكان تجاوز هذه النسبة 6.5 بالمئة مستقبلاً ما لم يتم اتخاذ إجراءات تصحيحيّة.
هكذا، ومع ارتفاع مديونيات الدول، يرتفع معروضها من سندات الدين، ما يضع على الأسواق المزيد من الطلب على السيولة. وكلما ارتفع معروض السندات، هبطت أسعارها، وارتفعت العوائد والفوائد المعروضة مقابل استقطاب السيولة. وهنا، يدخل عاملٌ آخر على الخط: كلما ارتفعت العجوزات ونسب المديونيّة، قياساً بحجم اقتصادات الدول، ارتفعت المخاطر المتصلة بالسندات كما تقرأها السوق، فتنخفض مجدداً أسعارها وترتفع عوائدها.
العامل الآخر المؤثّر هذه السنة اتصل بمعدلات التضخّم المرتفعة، والتي لم تتمكّن المصارف المركزيّة من كبحها حتّى اللحظة. ولهذا العامل تأثران: أولاً، كلما ارتفعت معدلات التضخّم، طالب المستثمرون بعوائد وفوائد أعلى لقاء الاحتفاظ بالسندات، لتعويض انخفاض القيمة الشرائيّة للسيولة. وثانياً، كلما حافظت معدلات التضخّم على ثباتها، حافظت المصارف المركزيّة على سياسات نقديّة أكثر تشدداً، بما يعني بنية فوائد أعلى. وفي الأسواق الماليّة، تتفاعل العوامل. فحين يترقّب المستثمرون ارتفاع الفوائد في المستقبل لكبح التضخّم، يسعّرون السندات المتداولة في الأسواق على هذا الأساس.
في الوقت الراهن، تستمرّ الضغوط التضخميّة، بتأثير من الارتفاع الحاصل في أسعار مصادر الطاقة. والمسألة هنا لم تعد تتصل فقط بالحرب القائمة في منطقة الخليج، والتي هددت سلاسل توريد النفط والغاز، بل باتت تتصل أيضاً بتطورات الحرب في أوكرانيا، وخصوصاً مع اتساع الهجمات التي تشنّها كييف على منشآت تكرير النفط الروسيّة، رداً على هجمات موسكو التي طاولت منشآت الطاقة الأوكرانيّة.
تأثيرات أخرى
يضيف الذكاء الاصطناعي عبئاً من نوعٍٍ آخر. فمنظّمة التعاون والتنمية الاقتصاديّة تتوقّع أن تصدر الشركات التسع الكبرى في هذا القطاع سندات تقدّر بنحو 1.2 ترليون دولار أميركي، خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030. وبهذا المعنى، بات القطاع الخاص في مجال التكنولوجيا يزاحم الحكومات للحصول على السيولة المتجهة إلى أسواق السندات، ما يفرض على الحكومات منح عوائد أعلى لاستقطاب الأموال. وكلما اتّسع معروض السندات وأدوات الدين، من الحكومات والشركات معاً، اضطرّ الجميع إلى عرض فوائد أكثر جاذبيّة، للتسابق على الموارد المحدودة المتاحة. وفي النتيجة، لا ترتفع كلفة الاقتراض على الحكومات وحدها، بل على كل من يحتاج هذا التمويل.
في الوقت نفسه، لا تسعّر الأسواق الواقع الحالي فقط، بل تسعّر معها المخاطر، وصدقية من يتعامل مع هذه المخاطر. والمستثمر الذي يشتري سنداً يستحق بعد عشر سنوات، سيقيّم أولاً المسار المالي الذي ستعتمده الحكومة المُصدّرة للسند، والمصرف المركزي الذي سيدير السياسة النقديّة خلال هذه الفترة. وفي الولايات المتحدة الأميركيّة، باتت هناك شكوك متزايدة برصانة الإدارة السياسيّة للملف المالي، مع تزايد الانقسامات حول الأولويّات المتعارضة، وتنامي تدخّل البيت الأبيض في عمل الاحتياطي الفيدرالي. أمّا في أوروبا، فثمّة قلق متزايد إزاء تنامي التيّارات المتطرّفة، وما ينتج عن ذلك من عدم يقين تجاه السياسات الاقتصاديّة المستقبليّة.
في الخلاصة، لن تبقى تداعيات هذا الواقع محصورة على شاشات التداول فقط. فارتفاع معدلات الفائدة والعوائد، سينقل الثمن لاحقاً إلى الاقتصادات الأضعف، التي ستواجه تدفّق أموالها إلى الأصول الأميركيّة والأوروبيّة بعد ارتفاع عوائدها. وهذا ما سيوجب على حكومات الدول النامية رفع الفوائد، أو خسارة احتياطاتها، في سبيل ضبط التداعيات النقديّة لهذا الواقع. ومع ارتفاع الفوائد أيضاً، سترتفع حصّة خدمة الديون من ميزانيّات هذه الدول، ما سيقلّص قدرتها على الإنفاق الاجتماعي وتطوير البنية التحتيّة. وعلى هذا الأساس أيضاً، سترتفع مخاطر تعثّر الدول الأكثر هشاشة، ما سيزيد نسبة الديون المعرّضة للخطر -بحسب صندوق النقد الدولي- إلى 117 بالمئة من الناتج المحلّي العالمي. أمّا إطالة أمد الحرب في منطقة الشرق الأوسط، مع الضغوط التضخميّة التي تولّدها، فستضيف 4 نقاط مئويّة أخرى إلى هذا الاحتمال.
علي نور الدين - المدن