صدمات متوالية تهدد برفع أسعار الغذاء حول العالم -- Oct 19 , 2026 31
يقول محمد ياسين، وهو عامل في موقف سيارات يبلغ من العمر 63 عاما ويعمل في وسط جاكرتا، إنه قلل من وجباته لأن ارتفاع الأسعار جعل المواد الغذائية الأساسية بعيدة عن متناول يده.
وأضاف ياسين الذي يكسب ما بين 200 ألف و300 ألف روبية أسبوعيا، إلى جانب متجر صغير يراقب أمامه الدراجات النارية المتوقفة "كنت أستطيع شراء الأرز والتمبيه والتوفو بمبلغ يتراوح بين 7000 و8000 روبية (0.39 إلى 0.44 دولار). أما الآن فقد أصبح السعر 15 ألف روبية".
من المتوقع أن يتسارع التضخم الغذائي العالمي في الأشهر المقبلة ويستمر حتى فترة طويلة من عام 2027، إذ تؤدي اضطرابات الشحن المرتبطة بالحرب والجفاف الناجم عن ظاهرة النينيو إلى تقليص إمدادات الحبوب، مما يضع ضغطا إضافيا على المستهلكين الأكثر عرضة للتأثر مثل ياسين، وهو أب لأربعة أطفال.
ففي إندونيسيا، قفزت أسعار الأرز بالفعل إلى مستويات غير مسبوقة وسط توقعات بتأخر هطول الأمطار، في حين ارتفعت تكلفة الخبز في مصر بنسبة الربع، ووصلت أسعار السكر في الهند إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، إذ أدى أضعف موسم رياح موسمية منذ أكثر من عقد إلى تراجع الإنتاج.
وقال ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو): "كل هذا فرض ضغوطا كبيرة على النظام".
وأضاف: "سنشهد تأثيرا أكبر مع اقتراب نهاية العام، وفي بداية العام المقبل، وربما طوال العام المقبل."
ويتضرر المستهلكون الأكثر فقرا في العالم بشدة مع الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا، حيث تشكل المواد الغذائية حصة أكبر من الإنفاق الأسري.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أسعار المواد الغذائية في ربع السنة المنتهي في أيلول تجاوزت معدل التضخم العام في 22% من أصل 150 دولة شملها تحليله، بارتفاع عن 14% المسجلة في الربع السابق.
وبلغ متوسط مؤشر الفاو لأسعار المواد الغذائية الذي يتتبع التغيرات الشهرية في سلة من السلع المتداولة دوليا 136 نقطة في سأيلول، وهو أعلى مستوى له منذ تشرين الثاني 2022.
ويزيد ارتفاع الأسعار من مخاطر الاضطرابات الاجتماعية، وقد يدفع حكومات الدول التي تعد من الموردين الرئيسيين إلى فرض حظر على الصادرات، مما يزيد من تفاقم النقص.
صدمات متعددة في الإمدادات
أدت الهجمات على البنية التحتية للحبوب في البحر الأسود إلى تعطيل شحنات القمح، مما أجبر أكبر المستوردين، مصر وإندونيسيا، على البحث عن إمدادات بديلة، في حين يدفع انعدام الأمن في البحر الأحمر السفن إلى سلوك طرق أطول وأكثر تكلفة حول أفريقيا.
وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود وتعطيل صادرات الأسمدة عبر مضيق هرمز، مما زاد تكاليف الزراعة في وقت يقلص فيه الطقس الجاف الناجم عن ظاهرة النينيو الإنتاج في الهند وجنوب شرق آسيا.
وارتفعت أسعار القمح بأكثر من 30% في 2026، بينما زادت أسعار الأرز في الدول الآسيوية الرئيسية المصدرة بما يتراوح بين 10% و13% رغم ضخامة المخزونات.
وتراجعت أسعار الأسمدة عن الذرى التي بلغتها في وقت سابق من الحرب على إيران، لكنها لا تزال مرتفعة.
وقال رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة نستله الهند مانيش تيواري: "ارتفاع التضخم، لا سيما تضخم أسعار الغذاء، حقيقة واقعة"، مشيراً إلى "بيئة صعبة" تعود لأسباب منها ارتفاع تكاليف السلع الأولية.
وفي مصر، ارتفعت أسعار الخبز غير المدعم إلى نحو 5 جنيهات مصرية (0.093 دولار) للرغيف الكبير من 4 جنيهات في يوليو/تموز، في حين صعد سعر زيت الطهي بنحو 40% في الإمارات.
وزادت أسعار الزيوت النباتية في إندونيسيا 7% هذا العام، رغم أن البلاد أكبر منتج لزيت النخيل في العالم.
وقفزت أسعار السكر والبصل والبقول في الهند بأكثر من 10% في سبتمبر/أيلول مقارنة بالشهر السابق بسبب نقص الإنتاج.
وقال الخباز سيد عبد الحميد محمد في وسط القاهرة إن الأمر لا يقتصر على سعر الدقيق.
وأضاف: "إذا أحضرت عاملا ماهرا فإنه يكلفك الكثير. ارتفعت أسعار الكهرباء والمياه والخميرة والمواد التي نستخدمها لإنتاج رغيف الخبز للمستهلكين جميعها".
وقال طارق عزب، وهو من زبائن المخبز، إن الأسعار ترتفع باستمرار "ليس مرة أو مرتين أو ثلاث مرات"، خلال السنوات القليلة الماضية.
وزادت أسعار الشحن بنحو 50% في بعض الطرق العالمية الرئيسية، مثل الطريق من البحر الأسود إلى جنوب شرق آسيا، مع ارتفاع أسعار النفط وعلاوات مخاطر الحرب.
عامل محفز للتضخم
رغم ارتفاع أسعار الغذاء منذ أواخر 2025، فإن تراجع الإمدادات المحلية وارتفاع تكاليف السلع الأولية التي تنتقل إلى المستهلكين يهددان بتسريع التضخم.
ويتعين على كبار المستوردين في الشرق الأوسط وأفريقيا، الذين أحجموا عن الشراء بعد محاصيل محلية قوية، العودة الآن إلى الأسواق العالمية، مما قد يؤدي إلى زيادة في الطلب.
وقال كبير الاقتصاديين في المجلس الدولي للحبوب في لندن ألكسندر كارافايتسيف: "خلال شهرين، قد تحدث موجة جديدة كبيرة من الطلب مع عودة المستوردين إلى السوق".
وقال توريرو إن الغطاء الذي وفرته المخزونات العالمية غير المسبوقة من الحبوب بدأ يتلاشى.
وأضاف: "وفرت المخزونات والمحاصيل الجيدة في المواسم السابقة حاجزا، لكن هذه الحواجز بدأت تتعرض لضغوط. وهذا يعني أن زيادات أسعار السلع الأولية قد تصبح أكثر حدة".
ويجدد مصنعو الأغذية الذين يشترون المواد الخام عادة بموجب عقود تمتد بين ثلاثة وستة أشهر تلك الصفقات الآن بأسعار أعلى، بينما تضخم العملات المحلية الأضعف التكاليف.
وقال فرانسيسكوس ويليرانج عضو مجلس إدارة شركة بي.تي إندوفود أكبر شركة أغذية في البلاد "زادت تكاليف الشحن أيضا، وعند تحويلها إلى الروبية يتضخم الأثر بسبب ضعف العملة الإندونيسية".
وقال متعاملون إن مصنعي الأغذية يواجهون، إلى جانب ارتفاع الأسعار، صعوبات في تأمين الإمدادات.
وقال مسؤول تنفيذي كبير في شركة لطحن الدقيق في جاكرتا، طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم كونه مخولا بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن الكثير من مطاحن القمح في إندونيسيا تشغل وحداتها دون طاقتها الإنتاجية، إذ قلصت الحرب بين روسيا وأوكرانيا وصول الشحنات.
وأظهرت بيانات كبلر أن واردات إندونيسيا من القمح انخفضت 41% إلى 491 ألف طن في سبتمبر/أيلول مقارنة بالعام السابق.
وفي الوقت الراهن، تبدو مخزونات فول الصويا والذرة وفيرة، إذ تعتمد الإمدادات المستقبلية على الإنتاج في الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية، غير أن ارتفاع أسعار النفط دعم المحصولين بسبب تزايد استخدامهما في الوقود الحيوي.
وقال كارافايتسيف من المجلس الدولي للحبوب إن من المتوقع أن تكون محاصيل القمح في نصف الكرة الجنوبي مواتية، وإن أي مخاطر سلبية على الإنتاج لدى المصدرين مثل أستراليا والأرجنتين قد تضيف عاملا جديدا يدعم الأسعار.
وأضاف: "هناك مخاطر كبيرة لارتفاع الأسعار".