بالأرقام: الصيغة الجديدة للرسوم البيئية والمواد المشطوبة

بالأرقام: الصيغة الجديدة للرسوم البيئية والمواد المشطوبة -- Aug 12 , 2026 4

لم تسقط رسوم البيئة من جدول أعمال الحكومة، لكنها تغيّرت بشكل كبير، فبعد أسابيع من الاعتراضات والمشاورات والنقاشات الحادة، انتقلت الصيغة المطروحة من رسم واسع النطاق كان يطال معظم السلع المستوردة بنسب تصل إلى 3 في المئة، إلى جدول أكثر انتقائية، أُلغيت فيه الزيادة عن عدد كبير من الفصول الجمركية، وأُبقيت الرسوم على سلع محددة.

القصة بدأت مع القانون رقم 38 الصادر في كانون الثاني 2026، الذي أقرّ رسماً بيئياً على السلع المستوردة، بنسب تراوحت بين 0.1 و0.35 في المئة، لتمويل معالجة النفايات وفق مبدأ "الملوِّث يدفع". لكن الحكومة، بموجب المرسوم 3214 الصادر في 15 حزيران، رفعت النسب إلى ما بين 1 و3 في المئة.

النتيجة كانت اعتراضاً واسعاً، إذ اعتُبر أن الرسم، وإن حمل عنواناً بيئياً، سيُحمّل كلفته في النهاية للمستهلك، خصوصاً أن الجمارك تستوفي الرسم عند الاستيراد، فيما يضيف التاجر كلفته إلى سعر السلعة. وتحت ضغط الاعتراضات، علّق مجلس الوزراء العمل بالمرسوم في 29 حزيران، وأعاد فتح جدول النسب للنقاش.

جدول الرسوم المعدل 1
من جدول واسع إلى رسم انتقائي

في الجدول الأول المرفق، كانت الزيادة تشمل مساحة واسعة جداً من السلع: المواد الغذائية والزراعية، الأدوية، المنسوجات، الورق، الأخشاب، المعادن، الأجهزة الكهربائية، الآلات، الأثاث، الألعاب ووسائل النقل، وبنسب تراوحت بين 1 و3 في المئة.

أما في الجدول المعدّل المرفق، فقد أُلغيت الزيادة عن غالبية هذه الفصول، بما يعني عملياً أن السلع التي كانت ستتحمل رسماً بيئياً إضافياً عادت إلى النسب السابقة أو أُعفيت من الزيادة الجديدة.

وتبرز هنا النقطة الأهم في المقارنة،وهي أن التراجع لم يكن عن مبدأ الرسم نفسه، بل عن حجم الزيادة واتساع قاعدة السلع المشمولة به.

فالمواد الغذائية الأساسية والمنتجات الزراعية، بما فيها اللحوم والأسماك والألبان والخضار والفواكه والحبوب والزيوت والسكر، خرجت من دائرة الزيادة الجديدة. كذلك شملت التعديلات الأدوية والأسمدة، ومعظم المنسوجات والأقمشة والورق، والمعادن الأساسية، والأثاث، والآلات، والأجهزة والأدوات المنزلية وعدداً كبيراً من المنتجات الصناعية.

جدول الرسوم المعدل 2
ماذا بقي في الجدول؟

في المقابل، لم تُلغَ الرسوم بالكامل، فالجدول الجديد أبقى نسباً أعلى على مجموعة من السلع التي صُنّفت ضمن المنتجات ذات الأثر البيئي الأكبر، أو تلك التي رأت الحكومة أن بإمكانها تحمّل الرسم من دون أن يطال السلع الأساسية مباشرة.

وتتركز أبرز النسب الجديدة عند: 2 في المئة على عدد من المنتجات الكيميائية، واللدائن والمطاط ومصنوعاته، والجلود، والإسمنت وبعض المنتجات الحجرية والإسمنتية.

أما 3 في المئة، وهي النسبة الأعلى، فأصبحت محصورة بفئات أكثر تحديداً، من بينها المركبات البرية والطائرات والسفن، وبعض الأجهزة الكهربائية وآلات التصوير والساعات، والأسلحة والذخائر، وألعاب الأطفال وبعض المنتجات الترفيهية.

وهكذا، فإن الفارق الأساسي بين الجدولين لا يكمن فقط في خفض النسب، بل في تقليص عدد السلع التي تطالها الزيادة أساساً.

جدول الرسوم المعدل 3
من 1 و3 في المئة إلى ماذا؟

النسخة الأولى كانت تقوم عملياً على فرض زيادة تتراوح بين 1 و3 في المئة من قيمة السلعة، وفق التصنيف الجمركي. أما الصيغة الجديدة، فتُبقي على الرسم المرتفع في فئات محددة فقط، فيما تستبدل النسبة في عشرات الفصول بعبارة "أُلغيت الزيادة".

وهذا يعني أن الحكومة تراجعت عن الجزء الأكبر من الزيادة التي أثارت الاعتراض، من دون أن تتراجع عن الهدف الأساسي: تأمين إيرادات لتمويل معالجة النفايات عبر رسم مرتبط بالسلع المستوردة.

وبالتالي، لم تعد المعادلة "ضريبة بيئية على معظم السلع"، بل أصبحت أقرب إلى رسم انتقائي على سلع محددة.

ماذا يعني ذلك للمواطن؟

وعلى الرغم من التعديلات، يبقى السؤال الأساسي: من سيتحمّل تكلفة الرسوم؟ تبدأ الآلية من الجمارك، التي تستوفي الرسم على السلعة المستوردة، لكن الكلفة لا تتوقف عند المستورد، إذ تدخل في سعر السلعة، ويمكن للتاجر أن يعكسها على المستهلك.

بمعنى آخر، حتى عندما تكون النسبة صغيرة، يبقى الرسم قابلاً للانتقال إلى الأسعار، ولو بدرجات مختلفة بحسب السلعة وهوامش الربح والمنافسة في السوق. وهذا تحديداً كان أحد أسباب الاعتراض على الصيغة الأولى، في ظل اقتصاد لم يتعافَ بالكامل وقدرة شرائية لا تزال محدودة.

توافق بعد خلاف طويل

الصيغة الجديدة لم تصل إلى هذه النقطة بسهولة، فالتعديلات جاءت بعد سلسلة من الاجتماعات والمشاورات بين الحكومة والهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام ووزارتي الاقتصاد والمالية وسائر المعنيين، وبعد نقاشات حادة حول انعكاس الرسم على الأسعار والقطاعات الإنتاجية.

وحلّت المواد الغذائية والمحروقات والمواد الأولية المستخدمة في الصناعة المحلية في صلب هذه النقاشات، وصولاً إلى التوافق على استبعادها من الزيادات التي كانت مطروحة. وكانت وزارة الطاقة قد حذرت سابقاً من أن تطبيق المرسوم 3214 شمل المحروقات وأثر في حجم تراجع أسعارها، ما دفعها للمطالبة بإعفائها من الرسم.

ماذا بعد؟

المسار لم ينتهِ عند تعديل الجدول، فالصيغة الجديدة يفترض أن تُعرض في الجلسة الحكومية المقبلة، لتُقرأ في الجلسة وتصدر كمرسوم وفق الآلية المعتمدة.

وبذلك تكون الحكومة قد انتقلت من صيغة أثارت اعتراضات واسعة إلى صيغة حظيت بتوافق أوسع بين الجهات المعنية، بعد تقليص قاعدة السلع المشمولة بالزيادة.

ويبقى التحدي في مكان آخر، هل تستطيع الدولة تمويل معالجة النفايات من دون أن تتحول الكلفة البيئية إلى ضريبة جديدة يدفعها المستهلك؟

فالقانون الذي أقرّ الرسم انطلق من مبدأ "الملوّث يدفع"، بينما التجربة العملية تقول إن جزءاً من أي رسم يُفرض على الاستيراد يمكن أن ينتقل، في نهاية السلسلة، إلى المستهلك. والفارق بين الجدول القديم والجديد هو أن الحكومة خففت مساحة هذا الانعكاس، لكنها لم تلغه.

رنا عبود- المدن

أقرأ أيضاَ

تراجع التحويلات.. زلزال يهزّ الاقتصاد

أقرأ أيضاَ

البستاني: "زودة" رواتب النواب لا تعنيني وأعارضها